عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
130
اللباب في علوم الكتاب
الدّرجة النازلة من أهل النجاة ، فالمعنى أنّه تعالى يجلسهم في الأعراف ، وهم يطمعون في فضل اللّه وإحسانه أن ينقلهم من تلك المواضع إلى الجنة . قال الحسن : « الذي جعل الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون » « 1 » . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 47 ] وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 47 ) قوله تعالى : وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ معناه : كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النّار تضرّعوا إلى اللّه في ألّا يجعلهم من زمرتهم . وقرأ الأعمش « 2 » : « وإذا قلبت » وهي مخالفة للسواد كقراءة « لم يدخلوها وهم ساخطون » أو وهم طامعون على أن هذه أقرب . قوله : « تلقاء » منصوب على ظرف المكان . قال مكيّ « 3 » : « وجمعه تلاقيّ » . قال شهاب الدّين : « لأن « تلقاء » وزنه « تفعال » ك « تمثال » وتمثال وبابه يجمع على « تفاعيل » ، فالتقت الياء الزّائدة مع الياء التي هي لام الكلمة ، فأدغمت فصارت « تلاقيّ » . والتلقاء في الأصل ، مصدر ثم جعل دالّا على المكان أي : على جهة اللّقاء والمقابلة . قال الواحديّ : « التّلقاء جهة اللّقاء ، وهي في الأصل مصدر استعمل ظرفا » ، ونقل الواحديّ بإسناده عن ثعلب عن الكوفيين ، والمبرد عن البصريّين أنّهما قالا : لم يأت من المصادر على « تفعال » بكسر التّاء إلّا لفظتان : التّلقاء ، والتّبيان ، وما عدا ذلك من المصادر فمفتوح نحو : التّرداد والتكرار ، ومن الأسماء مكسور نحو : تمثال وتمساح وتقصار . وفي قوله : « صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ » فائدة جليلة ، وهو أنّهم لم يلتفتوا إلى جهة النّار [ إلا ] مجبورين على ذلك لا باختيارهم ؛ لأن مكان الشرّ محذور ، وقد تقدّم خلاف القرّاء في نحو : « تلقاء أصحاب » بالنّسبة إلى إسقاط إحدى الهمزتين ، أو إثباتها ، أو تسهيلها في أوائل البقرة [ 6 ، 13 ] . و « قالوا » هو جواب « إذا » والعامل فيها . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 48 ] وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ( 48 ) لمّا بين بقوله : « وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ » أتبعه أيضا بأن أصحاب
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 505 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 165 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 107 ، والبحر المحيط 4 / 305 ، والدر المصون 3 / 276 . ( 3 ) ينظر : المشكل 1 / 318 .